عطر الأحباب

لكل كاتب عطره الخاص، نستنشقه من خلال كتاباته، فتعبر كلماته إلى قلوبنا، فندمن هذا العطر، أنه عطر الأحباب!

27 فبراير، 2013

عطر ودفئ!






اشتاق إلي أشياء كثيرة..

اشتاق إلي احتضانهم.. فكل شئ اشتاق له يملك حضناً دافئ وعطراً خاص به!

اشتاق إلي (يوم الجمعة ) بكل شئ فيه يميزه عن سائر الأيام، وكأنه يمتلك ( صك ملكية) من صوت القرآن الكربم   الذي يجلي من القلوب الحزن والهم و جلايب الرجال  ناصعة البياض الذي يفوح منها رائحة المسك ، والأطفال الذي يزينوا الطرقات بضحكاتهم و بأنفاسهم المتقطعة من كثرة اللعب،  وعطر البخور المتصاعد من  المنازل و رائحة  الفول وقلي الطعمية والبطاطس ولا يحلوه بدون (حزمة الجرير) والجرنان!

اشتاق إلي المنازل التي كانت تفتح أبوابها وقت العصاري وتترك الأبواب مفتوحة وتخرج النساء ويكنسوا أمام منازلهم ثم يخرج الرجال ويرشون الماء فينبعث عطر عبيره يسحر أي إنسان، عبير المتطاير من احتضان الأرض للماء والذي كان يعطي وقت العصاري مذاق خاص به، ثم يضعون الكرسي الخشبي و شاي في الخمسينة ويقرأون الجرنان ويسلم عليهم كل من يمر بهم ويعزمون عليهم بكوب من الشاي! فيردون: الله يخليك.. بالهنا والشفا!

اشتاق إلي السير في الطرقات  فتجذبني ( رائحة الفيشار) المتصاعدة من عربة الفيشار فأذهب واشتري علبة من الفيشار واتفرج علي المحلات بنظرات طفلة مشتاقة لهذا وذاك، وأشاهد الناس وأتابعهم بنظرات مختلسه، ليس فضولاً مني ولكن لكي أؤنس بهم، وأشعر معهم بالأمان!

اشتاق إلي ( جدي) اشتاق لعطره فلقد كان يمتلك عطراً  خاص به, كلما اقتربت منه استنشقها بقوة لكي أشعر بدفئه بداخلي، اشتاق لكل تفاصيله، اشتاق إلي مناديله القماش المكوية المطبقة والمعطره(بكولونيا خمس خمسات)، اشتاق أن اسمع معه صوت عبد الباسط عبد الصمد وهو يتلو القرآن الكريم.. مازلت ياجدي كلما سمعته ترد روحك بداخلي فتصهر روحي وأشعر بعطرك يفوح من حولي!

اشتاق إلي ( صديقة) تكون صادقة معي وأن تعتني بصداقتنا، وعندما نفرح بل في لحظة الفرح ذاتها ترتجف قلوبنا و نبحث عن التليفون  ولا نراها من ربكة الفرحة ونظل نبحث عنه لكي نتصل ببعض ونخبر بعض لكي تكتمل فرحتنا، لا نكذب علي بعض ولا نخاف من بعض ولا نخشي من الحسد، فقلوبنا لا تفرح بدوننا، وأن نتقاسم الحزن ونخفف عن بعض وأن نخرج سوياً في الطرقات لكي يكون شاهد علينا في الفرح وفي الحزن،  ونتقاسم مع بعض مانحبه من قهوة وكيك ، فرائحتهما دائماً تذكرنا بأول لقاء جمعنا،  وضحكات تنفجر من قلوبنا من سخونة المشروبات التي تلسع ألسنتنا، ودموع تسيل من أعيوننا من قوة الضحك علي بعض بسبب رغوة الكابتشينوه المرتسمة علي شفهانا!

اشتاق إلي ( طفل) اشتري له الملابس والألعاب وكل شئ حرمت منه بل سلب ، وأتعامل معه بطبيعتي فيفهمني ولا يستغربني، ويحبني ولا ينافقني، ونفرح سوياً ونحزن سوياً، كلما عانقني أشعر بالأمان أكثر والدفئ أكثر، والابتسامة منه تجلي همي وحزني الذي ينهشون في قلبي من سنين!

اشتاق إلي صوت ( فريد الأطرش) في الدكاكين الصغيرة، دكاكين  يباع فيها السجائر  والحلويات ويقف بها ( عجائز) يفوح منهم عطر مليء بالبركات، لسانهم مسك فبمجرد أن تقف معهم، ينطلق من ألسانتهم ( أدعية لك بأن الله يوسع لك رزقك ويحفظك من كل شر) فبمجرد أن تسمع هذا تشعر بالسكينة في قلبك!

اشتاق إلي صوت ( عبد الوهاب) فعندما كنت صغيرة كنت أحب أن أسمع أغنية:

 بفكر في اللي ناسيني وبانسى اللي فاكرني
وبَهرَب م اللي شاريني وبَدوَّر ع اللي بايعني

وادوَّر ليه على جرحي وصاحب الجرح مش فاكر
واقول يا عين ليه تبكي ما دام الليل ما لهش آخر


 في الراديو وأنا أتتدلي بجسمي الصغيرة من سور البلكونة، كانت الفرحة تتراقص أمام عيناي، وكنت أشعر بأن الدنيا أصبحت أجمل ولكل شئ عطراً ودفئاً فاستنشق عطر  البيوت والطرقات والأشجار، والدفئ يتصاعد من كل شئ أكاد أري دخانه بل وأشعر بسخونته!

اشتاق إلي ( سندوتش البطاطس) الذي كنت أخذه في المدرسة، وأظل انتظر ( الفسحة) بفارغ الصبر لكي أكله، ولكن هيهات فرائحته كانت تجعلني أجن وأفتح الشنطة وأخذ أصابع البطاطس وأضعها سريعاً في فمي قبل أن يراني المدرس!

اشتاق إلي السفرة، التي كانت تجمعنا  ورائحة الطعام التي تجعل لكل وجبة دفئها الخاص بها,  فوجبة الفطور يميزها رائحة البيض المقلي واللبن المغلي والخبز الساخن  ووجبة الغداء من رائحة الملوخية والفراخ المقلية ووجبة العشاء من رائحة الفينو الساخنة والجبنة القديمة، فالحب والود كان يشع من قلوبنا كأشعة الشمس فتدفئنا فنتحدث ونتضحك ونطمئن علي أحوال بعض!

اشتاق إلي أن أرسم في كراسة الرسم وألون، فكم كنت سعيدة عندما كنت أشاهد رسومتي وخصوصاً شهر رمضان كنت أحب أن أرسم الرجل الذي يصنع القطايف وعربة الفول!

اشتاق إلي صوت ( عم مغاوري) الذي كان يغني كل ليلة ( للزبادي) وماأجمله زبادي! فلقد كان ناصع البياض وطازجاً وعطراً  برائحة اللبن  مثل الأيام التي كنا نعيش فيها!

اشتاق إلي صوت( عم بربري) المسحراتي، اشتاق عندما كان ينادي بإسمي، فكنت أشعر بأن رمضان لا يحلو بدون صوته وصوت ( طبلته) الرنانة التي كانت تولد الفرح من قلبي وتجذب الابتسامة من شفتاي!

اشتاق إلي قصصي التي كتبتها يوماً وأنا صغيرة، اشتاق أن استنشقها، استنشق عبير طفولتي، عبير أول محاولاتي في الكتابة، وأن احتضن اللحظات الأولي في ميلاد حروفي!

اشتاق إلي ( عيد الأم) وأغنية سعاد حسني التي عندما كنت اسمعها أبكي واحتضن أمي لكي أشعر بحبها وحنانها ودفئ قلبها, و(علبة الهدايا  الشفافة )التي كانت  منتشره في هدا الوقت والتي كانت بها مناديل من القماش منقوش بالزهور الصغيرة وزجاجة عطر صغيرة ( فام شيك)  وشريطة من السولفان تزين العلبة!



اشتاق إلي  كشاكيل ماركة الشمرلي ( المنقوش علي معظمها طفلاً ) وإلي عطر الورق المنبعث من كشاكيلي الجديدة ورائحة الحبر المتصاعدة  من كتبتي في أول صفحة( بسم الله الرحمن الرحيم)

اشتاق إلي أيام مضت،،

سأظل اشتاق واشتاق واشتاق ..
وماهو الاشتياق إلا  تعبيراً عن الفقدان..

نعم أنني اشتاق لأني افتقد لكل شئ كتبته..

افتقد عطرالحياة.. ودفئ الإنسانية!

افتقد الحب والصدق والأخوة والنقاء..
اشتاق إلي معاني كادت أن تنقرض.. لأن ليس لها ( محمية طبيعية) تحميها من أن تنقرض وتضيع!

وما الفقد إلا تعبيراً عن الضياع!

أشعر بالفقد .. أشعر بالحزن أحاول مجاهده أن أتمسك بإنسانيتي.. الناس يحاولون أن يقنعوني بأن لم يعد هناك ( مفاهيم الإنسانية) ولم يعد هناك صداقة بالمعني المفهوم ولم يعد هناك حب بالمعني المفهوم ولم يعد ولم يعد.. 

أشعر بالضياع .. أشعر بالجنون أتطلبون مني أن أضيع وأضيع من ماذا من إنسانيتي؟! 

وإذا تخليت عنها ماذا سوف أصبح حينها؟! أتطلبون مني أن أتحول إلي وحشاً كاسر! لا يشعر ولا يحب ولا أي شئ!

اشتاق فأفتقد ولكن لن أضيع سأتمسك بمفاهيمي بقلبي بإنسانيتي..



لن أكون كبقية القطيع بدون مفاهيم وينقصني البرسيم!

عرفت الآن لماذا الوحدة ملاذي ورفيقة دربي!

لأن فيها أجد معني لإنسانيتي!

لن أكون إلا إنسانة!

تمتلك عطراً ودفئ خاص بها وبإنسانيتها!

هناك 5 تعليقات:

  1. سأظل أشتاق وأشتاق وأشتاق
    وما هو الإشتياق الا تعبيرا عن الفقدان . . .
    الله عليكي بجد
    احسنتِ

    تحيـــــاتي
    كانت هنا ورحلت
    Asmaa Fathy

    ردحذف
  2. صباح الغاردينيا نيللي
    دائماً هناك حنين وإشتياق لكل شئ مضى
    من طفولة لشغب لجنون لتعقل
    سنين وذكريات ولحظات وعمر لازال في الذاكرة "
    ؛؛
    ؛
    كـ العادة مبدعة وفاتنة
    لروحك عبق الغاردينيا
    كانت هنا
    reemaas

    ردحذف
  3. اشتاق فافتقد ولكن لن اضيع سأتمسك بمفهيمي بقلبي بانسانيتي ... الجملة دي لوحدها تنفع بوست بجد :))

    لم ولن تكوني يوما الا انسانة .. اقتنعي دايما ان الاحسن لسه جاي
    وحشاني جدا :*

    ردحذف
  4. بجد جميله , وكلنا بنشتاق لحاجات كنا بنعملها

    ردحذف
  5. الإنسان دايمًا بيعشق الماضي بتفاصيله وذكرياته وأحداثه .. بس في الغالب لما الاشتياق بيزيد ده بيكون دليل على اختفاء طعم الحياة في الحاضر .. بس ساعتها بنكون محتاجين نلون الحاضر ده بألوان فرحة لأنه كل ما نمتلك :)

    البوست رجعني لحاجات كتيرة مفتقداها ونفسي ترجع :)

    ردحذف

نرحب بكلماتكم العطره التى تفوح منها أجمل العبير:)

no copy

no