عطر الأحباب

لكل كاتب عطره الخاص، نستنشقه من خلال كتاباته، فتعبر كلماته إلى قلوبنا، فندمن هذا العطر، أنه عطر الأحباب!

15 أغسطس، 2013

حولية 45- رسالتي الأولي ( الفل الأبيض) في ذكراك 22 أبي يوسف أدريس

أبي الروحي يوسف إدريس






رسالتي الأولي (الفل الأبيض)

إلي أبي الروحي يوسف إدريس/
صباح الفل الأبيض..

أهديك في ذكراك يا أبي (الفل الأبيض) تعرفه أبي هذا الفل الذي تستنشق عطره في أشارات المرور وتعرف أن ( بائع الفل) هنا من قبل أن تراه وتظل عيناك تبحثان عنه لكي تشتري (عقد الفل) لكي ترتديه في عنقك أو علي رأسك أو تخشي الناس تتضحك عليك فتعلقه في السيارة وتظل عطر الفل عالقة في سيارتك أيام, أهديك أياه ولكن لا أعرف هل سيكون بنفس العطر الذي اعتدت عليها أم ستكون ماسخة كما أصبحت حياتنا الآن..في الحقيقة لا أعلم!!

ولكن كل الذي أعلمه إنك تستحق هذا (الفل الأبيض) لأنه مثل قلبك فهو في بياضه ونقاؤه, ذلك القلب الذي عاني كثيراً  من أجل حبه لقلوب الناس وإنشغاله بهمومهم ومتابعهم, دائماً تري إنهم لا يستحقون إنهم يقطنون الجحور ولا يستحقون تلك المعاناة  ولا يستحقون أن يكون عبيد للحياة وهم خلقوا أحرار, وخلقوا لكي يحيوا الحياة بكرامة لا لكي يموتون وهم أحياء بسبب نهب كرامتهم وضياع حقوقهم بسبب هؤلاء البشر الفاسدين وأنت تكره الفاسدين, فهم كل وظيفتهم في الحياة هو أن يسلبوا البشر كل شئ من حقهم لكي ينعمون هم ولكي يهنئون هم وليس من المهم ماذا يحدث لهم؟! يحيون أو تموتون لا يهم, كل الذي يهمهم أن يبنون حياتهم علي أنقاض حياة البشر!!

ولهذا أشعر بأن قلبك أصابه المرض من ثقل الهموم, أشعر من كتاباتك بل من كل حرف ومن كل كلمة حتي من ملامحك الجدية التي نحتت علي جوانب شفتيك وعلي جبهتك بل علي كيانك بأكمله  ثقل ما تحمله, ما أصعب أن تحمل هموم البشر؟! فهي لا تنتهي مادام لم ينتهي الفساد, الفساد لم ينتهي بعد يا أبي؟! نحن نعاني كثيراً الآن يا أبي, تعلم إنهم يتحدثون عن الضحايا والبشر التي تقتل وتصاب وكأنهم ( دجاج) لا  علي أنهم بشراً من لحماً ودماً, تتخيل أننا وصلنا إلي هذا الحال من اللامبالاة والبرود, إذا عشت إلي الآن يا أبي قلبك لن يحتمل ما نحن فيه؟! سيصيبه أزمات تودي بحياته, ذلك القلب الرقيق الأبيض النقي مثل الفل الأبيض لن يتحمل!! 

لأنك إنسان بكل ما تحمل الإنسانية من معاني ومشاعر!!

تعلم يا أبي أني أقرأ كتاب إسمه ( يوسف إدريس والنقاد) بقلم د. أحمد محمد فؤاد 
 هو عبارة عن دراسة ترصد أحكام النقاد وتأويلاتهم المختلفة حول ملامح قصص يوسف إدريس البنائية من حيث الحبكة والشخصيات واللغة وغيرها ومن ناحية أخري يتم تقييم هذه الرؤي والتأويلات  من خلال دراسة د. أحمد محمد فؤاد لمجموعة يوسف إدريس نفسها للتأكد من اقتراب هذه الرؤي من الصواب, وللتأكد من مدي استيعاب نصه الإبداعي للأدوات المنهجية التي يستخدمها النقاد في داراسته حتي لا يحكم عليه بما ليس فيه أو تفرض عليه هذه الأدوات قسراً.(1)
بدأت أقرأ التمهيد وهو يتحدث عن العوامل التي أثرت علي أبداعك القصصي, بدأت أقرأ عن مسيرة حياتك وإنتاجك الإبداعي, فلقد ولدت في 19 مايو 1927ونشأت في مدينة ( بيرون) الشرقية والتحقت بكلية الطب- جامعة القاهرة ( 1945- 1955) وتم اعتقالك عندما انضمت إلي تنظيم (حدتو) وهي أكبر الجماعات الماركسية من (بعد 23ثورة يوليو 1952- وأفرج عنك في سبتمبر 1955).
وأول كتاب نشر لك  وهي مجموعة قصاصية تحمل أسم ( أرخص الليالي) سنة 1954, ومن ذلك الحين ذاع صيتك في كتابة القصة القصيرة وأبدعت في الروايات والمسرحيات, كما انشغلت بعدد من القضايا الثقافية والاجتماعية والسياسية الساخنة, وهو ما جعل إبداعك في القصة القصيرة والرواية والمسرحية يتناقص تدريجياً  بدءا من عام 1971 تقريبا وقد ساعدك علي كتابة هذه المقالات بصورة يومية عملك في جريدة الجمهورية والأهرام.
ولقد كتبت 12 قصة و 8 روايات و8مسرحيات 16 مقالة.
ولقد شجعك علي الكتابة د. مصطفي محمود وصلاح حافظ ومحمد يسري أحمد  فهم أصدقاء الطب والكتابة معا,وكتبت معهم في مجلة ( المجلة) وغيرها من المجلات وأكثر إنسان تأثرت به هو ( محمد يسري أحمد) بقولك: (( والحقيقة أن لقائي بيسري أحمد أحدث نقطة التحول الخطيرة في حياتي, فلولاه ماعرفت أن بإمكاني أن أكتب قصة, إذا كان من طبيعته ومن فرط حبه وإتقانه للقصة القصيرة ( يعدي) من حوله ويشجعهم علي كتاباتها)). (2)
ولقد شجعك أيضا  إبراهيم ناجي  الشاعر الكبير ورئيس تحرير (مجلة القصة) في ذلك الوقت ومحي من ذهنك للأبد فكرتك السابقة عن دونية الأدب بالنسبة للعلم, فلقد ظلت تنظر للأدب باعتباره حرفة غير لائقة ولكن د/ إبراهيم ناجي جعلك تدرك أن مصيرك أن تكون كاتبا.(3)
وشجعك أيضا عبد الرحمن الخميسي الذي كان يهتم بالمواهب الجديدة, وهو ما قاده إلي النشر المنتظم بالصفحة الأدبية لجريدة مصري عام 1953 وهو ما ساعدك كثيراً علي نشرك قصصك القصيرة وذيوع صيتك لدي عدد كبير من القراء. (4)

أتعلم يا أبي أنه لا يوجد أحداً يشجعنا علي الكتابة ولا نعرف أين الطريق ؟ أصعب شئ لا أن تضل الطريق بل إنك لا تعرف أين هو, فلو ضليت ممكن تعود لو وقفت ثانية وفكرت, ولكن أن لا تعرفه سوف تتخبطك الأيام ولا تعرف ما تفعله هو الصحيح أم هو الخطأ بعينه!! فلقد أصبح الآن الكل يمتهن مهنة الكتابة الكل يكتب الذي يمتلك الموهبة والمفتقرها وكأنهم يريدون فقط أن يكون لهم كتاباً علي رفوف المكاتب وليس من أجل تقديم رسالة, رسالة تفيد الإنسانية ولهذا يا أبي أرفض أن أكون مثلهم من ضمن جماعة تنشر وأنا وحظي يا أما يكونوا موهبين أو مفتقرين الموهبة, أرفض أن تسلب أحلامي من أجل أن يكون لي كتاباً, أريد ياأبي أن أترك بصمة وتظل طوال حياتي  تفيد البشرية وعندما أرحل عن الحياة تظل تفيدهم ويدعون لي, لا أريد أن أكون مجرد كتاب بعد فترة يزج من علي الرف في صندوق كرتوني ويلاقي به  ويكون من المرتجعات, أريد أن أكون مثلك أبي قوية طوال حياتي و مماتي, قوتك يا أبي نابعة من قوة قلبك ورجاحة عقلك وقوة بنيتك الأدبية, فبالرغم أنه لا يوجد معلمين الأآن وكل شئ أصبح سطحي الفكر والقلب والكلمات, ولهذا أتعلم منك فأنت أول معلم لي في عالم الكتابة, أول إنسان قرأت له وتأثرت به, فأنت تمتلك عمق غريب أخاف منه كثيراً, فأنا أشعر مع هذا العمق أني أغرق في بحور الإنسانية والذي أخافه إلا أعرف أن أكون عميقة مثلك وأكون سطحية, كنت استغرب كثيراً كيف تكتب بهذا العمق الإنساني الرهيب, فعرفت من خلال قرائتي لكتاب ( يوسف إدريس والنقاد) أن مهنة الطب كان لها تاثيرا علي كتاباتك في دقة التفاصيل والكلمات حتي القصص كانت متأثره بمهنتك مثل رواية ( العسكري الأسود) بحكم عملك حكيمباشي  محافظة مصر, أنت عميق جدا وهذا نابع من عمقك الإنساني..

فأنت إنسان!!
أتمني أن أكون عميقة مثلك!!

ما أحزني أني وجدتك لم تأخد إلا جائزين أحدهم وسام  الجمهوية من الدرجة الثالثة في يناير سنة 1969 وجائزة الدولة التقديرية عام 1991 أي في عام وفاتك, أحزني أن يكون أديب في مثل حجمك وعمقك ونجاحك لا ينال طوال حياته إلا جائزين وأحدهم عند وفاتك, أظلموك أبي؟!
أجحدوا بمجهودتك!!
أنكروا جميلك عليهم!!

ولما العجب فا فرعون جحد بنعمة ربه , فما بالنا بالبشر الذين يمتلكون هذا الكهف من الجحود ونكران الجميل, ولكن تعلم يا أبي جائزتك الكبري أمامك هنا, أنا ومثلي كثيرا الذي يتعلمون منك ومن كتاباتك, فأنا أتعلمت منك أهم شئ في الوجود
أنا  أكون إنسانة..
وأن أكون صاحبة كلمة..
وصاحبة رأي..
أكون أمينة علي كلمتي..
وأكون جريئة ولا أخاف من شئ..

لما أصل بعد لكي أكون مثلك ولكن أحاول أن أتعلم وسأظل أتعلم منك, فأنت  قمري الذي استرشد به في ظلام  وطني و عالمي وكتاباتي, وأقرأ لغيرك أبي ولكنهم نجوم يضيئون عالمي, بينما أنت قمر عالمي الذي لا أمل بالنظر إليه لكي يطمئني ويعلمني دائما كيف أكون كاتبة له قيمة وتضيف من قيمتها للإنسانية!!
في ذكراك 22 إهديك هذا العقد ( عقد الفل) علي قبرك, فقلبك وروحك عقد فل يزين عقلبي وقلبي وروحي!!

أدعو لك دائما أبي في كل صلوتي أن يغفر لك ويرحمك ويضئ قبرك!!
رحمك الله أبي..
يوسف إدريس
( 19 مايو 1927 -5 أغسطس 1991م).

كتبته  يوم الخميس
15-8-2013
الساعة 2:48 مساء
علي أغنية (feeling) – (Andy Williams)
إبنتك نيللي علي

















 ------------------------------


(1) يوسف إدريس والنقاد- أحمد محمد فؤاد- ص 6.
(2)  يوسف إدريس..فرفور خارج السور- د/ غالي شكري-ص 35
(3) الإبداع القصصي عند يوسف إدريس- كربر شويك- ص 60،59.
(4)  يوسف إدريس والنقاد- أحمد محمد فؤاد- ص 18.


هناك تعليقان (2):

  1. كنت بحبه و حبيته أكتر لما قريت مقالك :)
    إنتي كمان جميلة عشان كده بتلمسي جمال الإنسانية في الناس..
    جميله حكاية عقد الفُل :)

    تحياتي لكِ

    ردحذف
  2. وأنا مبسوطة أنه عجبك موضوع عقد الفل وإنك حبيتي أكتر يوسف أدريس أكتر:)

    منورني دايما ياشيرين

    ردحذف

نرحب بكلماتكم العطره التى تفوح منها أجمل العبير:)

no copy

no