عطر الأحباب

لكل كاتب عطره الخاص، نستنشقه من خلال كتاباته، فتعبر كلماته إلى قلوبنا، فندمن هذا العطر، أنه عطر الأحباب!

18 أغسطس، 2013

حولية 48- حدوته مصرية (1)









أبدأ الحدوته  بالصلاة والسلام علي أشرف النبين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما اعتادنا أن نبدأ أن نحكي الحدوته, الحواديت يحكيها دائما جدودنا أو أمهاتنا أو أباؤنا أو أخواتنا, جمالها أنها تحكي من الذين يكبرونا بأعوام كثيرة فهم لهم طريقة مشوقة  في الحكي تجذبنا إلي الاستماع إليهم, فليس كل من يحكي الحدوته ينجح أن يجذبك لكي تستمع له, يتوقف علي مدي مصداقيته, فإذا صدقته فإنك تستمع له من كل قلبك, وإذا لم تصدقه إنصرف قلبك وسمعك عنه, والحواديت سواء كانت((حلوة ولا ملتوة) فهي ترسخ في الذهن ولا تنسي بل أيضاً ترسخ في القلب, دائماً أري أنه لا يوجد حدوته ملتوته, حتي لو ظاهرها ملتوته فأكيد في باطنها حلوة, ولكي لا أطيل الحديث عليكم, سوف أدخل في الحدوته.
يحكي أن في (( متحف التعذيب)) في هولندا من خلال اللوحات والأدوات عن (عصور الظلام في أوربا) ظلاماً بيئياً وفكرياً, ظلاماً  يخيم  علي أوربا بأكملها, هذا الظلام النابع من عدم قدرتهم علي التعايش, ليس التعايش أن توافقني الرأي وأوافقك الرأي بل التعايش هو أن نكون مختلفين في الآراء والأفكار والمذاهب ولكننا متقبلين بعض ونعرف أن نعيش مع بعض من أجل مصلحة أكبر وهي مصلحة الوطن.
وفي العصور المظلمة في أوربا كان هناك عدم قدرة علي التعايش, فيعذبونهم بأبشع أنواع التعذيب, فتري هنا شيئاً حديدياً يشبه اللجمام ويسمي بـ ( قناع العار) حيث إنهم يلبسونه لمن يقول كلام هجاء أو أي كلام ضد الحكومة, قناع معناه ( اخرس ).
وهناك تري أداة تشبه شكل الشوكة تسمي بـ ( أداة الكفارة) ومكتوب عليها ( أنا أترك) يضعون أحدي أطرافها أسفل الذقن والطرف الآخر عند قرب نهاية الرقبة, المقصود أن هؤلاء الناس مذنبين فهم بالنسبة لهم يتحدثون بحديث يخرج عن قناعات الكنيسة إلي أن يتوبوا, وهي لا تموت الإنسان بل تعذبه إلي أن يقول: أنا أترك عنادي وأسلم لفهم الكنيسة.
وهناك لوحة فيها رهبان مشنوقين, ولوحة أخري فيها الدفن الحي..
وكان التعصب بين المذاهب المسيحية, من نفس الديانة ولكن المذاهب مختلفة..
وكانوا يفعلون هذه التصرفات وهم يتخيلون إنهم يتقربون إلي الله..
ويحكي أن في مصر ..
يعيشون نفس الفكر ((يفعلون هذه التصرفات وهم يتخيلون إنهم يتقربون إلي الله)) وهو ليس بفكر وإنما هو جهل مغلف بغلاف الفكر, وهنا الشيطان يلعب دوره يغلف الشئ لكي يفقده بواطنه وقيمته ويكتفي بظاهره لكي يسحق ويدمر أي شئ من خلال شياطين الأنس!!
هذه هي الطمة الكبري..


فيتناقشون  فيختلفون فيتبارزون بالشتائم بل يفتخرون بالألفاظ النابية, ويتعصبون فيتخصامون بل أحياناً ينهون علاقة صداقة دامت لسنوات, فيمحون بعض من علي حسابتهم علي ( مواقع التواصل الإجتماعي) وكل طرف يشاهد القنوات التي تؤيد رأيه وتتفق مع أهوائه لا مع عقله, كل طرف يقوم بوضع الصور والفيديوهات التي ترضي غروره لكي ينتصر علي خصمه, خصمه اللي هو ابن وطنه..
يقتلون  وينقسمون ويتفرقون ويخربون..
يتحدثون بدون عقل وبدون علم وبدون أي شئ..

هم يفعلون هذه التصرفات وهم يتخيلون إنهم يتقربون إلي الله..
يفعلون هذه التصرفات وهم يتخيلون إنهم يدافعون عن الحق..
وكيف يتقربون إلي الله؟!
وهم أصحاب عقول ملجمة بلجام ( التعصب) الذي أظلم عقولهم, وكيف يتقربون إلي الله وهم يمارسون كل أنواع التعذيب, فالتعذيب ليس فقط أن أقتلك أو أدفنك حي في حفرة أحفرها لك, فمن الممكن أن أعذبك وأنا جالساً في مكاني بأني إنتهك إنسانيتك, بالشتائم وبالسخرية من فكرك ومن عرقك ومن دينتك ومن كل شئ, أن استبيح كل شئ وأراه أنه ليس عيباً أو خاطئاً بل هو التقرب إلي الله.

ولكن الحقيقة في الحدوته غير هذا..
أنتم في الحقيقة لا تتعصبون للحق بل تتعصبون لمذهب ..لحزب..لقبيلة, فتتعصبون لحزب لإنهم رمز الدين, لإنهم حماة الدين ولإنهم بلحية ويصلون, ولإنهم سينشرون الدين علي الأرض!!
من الذي قال أن الدين يحتاج إلي حماة ومن الذي قال بأن الدين متمثل في شخص ومن الذي قال الأخلاق حكراً علي المسلمين, ومن الذي قال أن من يصلي  بالشرط أن يعرف الله؟!
من قال؟!
الدين ..دين الله سبحانه وتعالي,  والأخلاق في الإنسان المسلم والغير مسلم ولو أن الصلاة هي مقياس والطاعة والعبادة والصلاح  لم نكن نعيش ما نعيشه الآن, لم تنتهك إنسانيتنا, لم يستبيح القتل, و لم يستخدم الدين وفقا للأهواء والأطماع, وتأخد هذه الآية بدون تفسير ولكن ظاهرها يتوافق مع قناعتك, ولم تنتهك المساجد بإتخاذها حصن, واحترم الإسلام والإنسانية والمساجد التي هي بيوت الله سبحانه وتعالي.

ومن الذي قال أن من يرتدي (زياً)  أن من حقه أن يتعصب لطائفته من خلال زيه سواء من الشرطة أو الجيش أو طائفة أخري, وينهال بوابل من السباب والشتائم النابية مع من يختلف معه في الرأي, ليس من أجل الحق- حتي وإن كان معه الحق- ولكن من أجل التعصب ليس ألا!!

أتعلمون لماذا تفعلون هذا؟!
غير تعصبكم القبلي والطائفي, تريدون أن تشعرون بإنتصارات, لا تستغربون حديثي  فأنتم تريدون أن تحققون نجاح بدون معاناة, فإلقاء التهم والتعصب – المشتق من كلمة عصبية- نجاح وإنتصار وسهل ومن سهولته فهو رخيص, فأنتم استسهلتوه الطريق, فطريق النجاح محفوف بالمعاناة وأنتم لا رغبة لديكم أن تعانوا ولهذا تتشبثون باآرائكم وتقذفون القنابل في وجه الآخرين وتطعنوا كل من يعارضكم وكأنه عدواً لنجاحاتكم الزائفة وانتصارتكم الواهية!!
وترفضون أن تسمعون الطرف الآخر..حتي من باب احترام رأيه وفكره..
أتعلمون لماذا؟!
لكي لا تشعرون بفشلكم وبهزيمتكم أمام أنفسكم..
 
أنا ليس ضد أن يكون لكم آراء أو مبادئ في الحياة أنا ضد الرأي المبني علي (( أنت تبع مين؟)) وكأننا (فرق كورة) علي الأقل في الكورة مبدأها مكسب وخسارة أسفل راية المنافسة الشريفة, أما في الحياة السياسية هي ليست مكسب وخسارة وليست منافسة شريفة وإنما هي فتنة لكي تهدم إنسانيتنا قبل أن تهدم وطنا الغالي (( مصر)).
أنا مع الإنسان أن  يتبني قضية أو فكر ويقرأ عن قضيته – مثل المحامي-  ويتعلم ويري المشهد كاملاً بدون تقطيع أو حذف, وأهم شئ أن يفكر وحينما يتناقش مع الطرف الآخر يناقشه بالأدلة والحقائق ويحترم اختلاف فكر ورأي الطرف الآخر, لا يهمه أن يحقق إنتصاراً ولكن الذي يهمه هو كشف الحقيقة, هذا هو كل هدفه من النقاش (( الكشف)).
 والأهم أن إذا تعصب  فليتعصب للحق دون أن يتعصب لقبيلة أو مذهب أو عرق, كل هدفه ليس انتصاراته الشخصية التي تحقق له نجاحات زائفة لم يحققها في الحياة, فالإنتصار الحقيقي هو حينما تنصر الحق!!
حينما تبحث عن الحق فأنك تحقق نجاحاً بالفعل, نجحت إنك لم تفقد إنسانيتك, بل حفظت عليها.


ما أراه الآن علي مسرح الحياة  من قتال ونهب وسرقة وانتهاك  يعبر عن تعصب مذهبي  وفكري وطائفي بحت ولكنه لا يخفيني, فأنا أعلم (إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً (وأعلم أنه لكي تعالج جرحاً يجب أن تخرج الصديد الذي بداخله لكي تتطهره, ونحن الآن في مرحلة إخراج الصديد, كل ما يحدث طبيعي, بالرغم أني أكره أن أري إنسان يعذب أو يقتل ولكن لا أعرف أين السبيل؟! 
ولكن الذي أعرفه أن لكل شئ في الدنيا سبب ونتيجة وهذه النتيجة حتمية للفساد ولحب السلطة, نتيجة حتمية للتعصب سواء فكرياً أو مذهبياً, ليس فقط بين السلطة وبين الشعب ولكن أيضاً بين الشعب ونفسه, هذا التعصب هو الذي فرق بيننا وجعل القتل يبدو وكأنه فيلما ينتظر كل يوم لكي نراه بل نتشوق لأحداثه, ويتم أخذ مشهد القتل كوسيلة لأدانة الطرف الآخر بدون أن يتم الوقوف مع النفس ولو للحظة واحدة ونفكر ماهي أسباب القتل؟!  هل هي نتيجة أم سبب لمصالح شخصية؟!
ومن الذي سمح بدخول السارق من البداية!
فهو نتيجة التعصب وعدم الوحدة فكريا ومذهبياً, هو الذي ثقب الفجوات  في حائط وطنا, وأن يدخل منها كل من يريد أن يسرقنا وينهبنا ويقتلنا, الكارثة أن كل مذهب  وطائفة وحزب يعتقد أنه ملكاً متوجاً بمذهبه وطائفته وهو لا يعلم إنه بهذا المسمي أو دعني أقول(( اليفطة)) الذي يحملها علي ظهره  كمن يحمل أوزاراً, نحن بشر من لحم ودم و ليس من الجمادات لكي نتباهي باليفط الذي نحملها, كفانا يفط, تستسهلونها  لأنها سطحية وسهلة ولكن التعمق يحتاج  تفكر والفكر شئ مرهق, ولكنه به تتميزون عن الأنعام!!
ما صدمني!! إنه في الماضي كان المسلمين  عندهم القدرة علي (( التعايش))
أتعلمون أن (الكنائس في مصر) التي بنيت من 1400 سنة هي دليل علي التعايش, فعندما دخل (عمرو بن العاص) مصر في سنة 640 م حفظ حقوق المسيحيين وحفظ أموالهم ودمائهم وكنائسهم وصلبانهم ولهذا رحب بهم المسحيين.
أتعلمون ما الفرق بين المسلمين الماضي واليوم؟! أنهم فهموا إن مبدأ التعايش هو أمر آلهي وتطبيقه في الواقع هو بناء للحضارة!!
أتعلمون أن أوربا طبقت هذا المبدأ, حينما عاشوا مع المسلمين أيام الحروب الصلبية, وانبهروا بهذا ((التعايش)).
أنظروا أين نحن الآن وأين أوربا  الآن؟!
أعتقد نحن الآن نعيش في العصور الظلام..
بيئياً وفكرياً..
وكل هذا بسبب تعصبنا لمذهب ولحزب وطائفة, وبسبب عدم التفكير واستسهال, وبسبب عدم البحث والسعي وراء الحقيقة والنتيجة..
هو مانراه الآن..الموت..
كل ما أخافه أن نعتاد المشهد, مشهد القتل والدماء, فتنتهك إنسانيتا وبالتالي نفقدها!!
أتمني ألا نفقدها!!
أتمني بالرغم من ما يحدث أن نحتفظ بإنسانيتنا ونعلم ) إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً .(

لم تنتهي حدوتي بعد..
لأن (حدوته الوطن) لم تبدأ بعد, بدأت في إجلاء الطغاة من عليها ولكن لم تبدأ عمليات البناء الإنساني والفكري والإقتصادي, فمازال شريط الفيلم يعيد نفس المشاهد ويكررها من آن لآخر, ولكن حينما يجري شريط الفيلم وينتقل بين مشهد وآخر, من مشهد جميل لمشهد أجمل, حينما يحدث وحدة بين قلوبنا بالرغم من اختلاف افكارنا ومذاهبنا,  حينما نحترم اختلافنا, حينما لا تفصلنا حدود بين الأوطان ويفصلنا (دائرة فضية صغيرة ) مكتوب عليها اسم البلدين كما التي تفصل بين فرنسا وسوسيرا, وحينما  امتلك فيزا واحدة أدخل بها جميع الدول العربية.
حينها فقط سوف تبدأ الحدوته..
أحلي حدوته مصرية..
ويعود لقلبي أجمل مشاهد للشعب المصري, حينما أصرخ في سائق التاكسي لطلبه أجره أكثر من حقه فيسارعون  الناس إلي لكي يجعلوني أذهب ثم يوبخونه ويقولون له: أنت هتتشطر علي واحد بنت!!
وحينما أشعر بتعب وبمجرد أن امسك رأسي أجد الناس التفت من حولي, فيتسابقون لخدمتي فهناك من يحضر لي كرسي لكي أجلس وهناك من يحضر لي شيبسي وهناك من يحضر لي الماء وأنا تنتابني السعادة رغم تعبي!!
هذا هو الشعب المصري..
وهذه هي الحدوته التي تستحق إن تكتب عن الشعب المصري..

ووقتها أغني بأعلي صوت أغنية حدوته مصرية- محمد منير

ما نرضاش يخاصم القمر السما
ما نرضاش
تدوس البشر بعضها
ما نرضاش
يموت جوه قلبي نداء
ما نرضاش
تهاجر الجذور أرضها
ما نرضاش
قلبي جوا يغني واجراس تدق لصرخة ميلاد
تموت حته مني الاجراس بتعلن نهاية بشر من العباد
دي الحكمة قتلتني و حيتني وخلتني أغوص في قلب السر
قلب الكون قبل الطوفان ما ييجي خلتني أخاف عليك يا مصر
واحكيلك على المكنون
مين العاقل فينا مين المجنون
مين اللي مدبوح من الألم
مين اللي ظالم فينا مين مظلوم
مين اللي ما يعرفش غير كلمة نعم
مين اللي محنيلك خضار الفلاحين غلابة
مين اللي محنيلك عمار عمالك الطيابة
مين اللي ببيع الضمير مين يشتري مين يشتري بيه الدمار
مين هو صاحب المسألة والمشكلة والحكاية والقلم
رأيت كل شيء وتعبت على الحقيقة
قابلت في الطريق عيون كتيرة بريئة
أعرف بشر عرفوني لأ لأ ما عرفونيش
قبلوني وقبلتهم
بمد ايدي لأ طب ليه ما تقبلنيش
لا يهمني اسمك لا يهمني عنوانك لا يهمني لونك ولا ولادك ومكانك
يهمني الانسان ولو ما لوش عنوان
يا ناس يا ناس هي دي الحدوته
حدوته مصرية..


وليس بإستطاعتي أن أقول هنا: توته توته فرغت الحدوته حلوة ولا ملتوته, لأن هذه هي الحدوته الوحيدة التي لم ولن تنتهي وستظل طوال الحياة ولن تنتهي إلا بإنتهاء الدنيا..
وللحواديت بقية..





شكر خاص لأحمد الشقيري حيث فكرة (( التعايش)) مستوحاة من برنامج خواطر 9- حلقة رقم 3


شكر خاص لصديقتي (المدونة شيرين سامي)  صاحبة مدونة حدوته مصرية حيث أنا الجملة التي قالتها (( أن نفقد إنسانيتنا)) أوحت لي بأني أكتب عن أننا بالفعل ممكن نفقد إنسانيتنا..

هناك تعليقان (2):

  1. الحدوتة المصرية دي حاجه كده زي ألف ليلة و ليلة
    أسطورة عمرها ما تنتهي
    تصدقي إنتي اللي أوحيتيلي دلوقتي أكتب حواديت عن مصر لما كانت بخير و تفاصيل الشوارع و البيوت..
    جميلة التدوينة يا نيللي و أخدتنا لمواضيع كتير مُهمه و مُترابطه..لأن طول ما في إنسانية هنقدر نتعايش مع بعض..و مش هتتحول لغابة و ناس إتعودت على الدم لحد ما بقى معندهاش دم :)

    شكراً يا حبيبتي على ذكري في مدونتك الغالية

    دمتي بالف خير

    ردحذف
  2. أنا أوحيتلك بالفكرة ده شرف ليا..أما فكرة الكتابة عن حواديت مصر فهي فكرة مشتركة ياشيرين لأني أنا كمان ناوية أكتب حواديت عن مصر..وعشان كدا أنا سلسلتها بالأرقام.

    دومتي بخير شيرين:)

    ردحذف

نرحب بكلماتكم العطره التى تفوح منها أجمل العبير:)

no copy

no