عطر الأحباب

لكل كاتب عطره الخاص، نستنشقه من خلال كتاباته، فتعبر كلماته إلى قلوبنا، فندمن هذا العطر، أنه عطر الأحباب!

15 سبتمبر، 2013

حولية 72- جراما فون






أعتقد أن لو الطعام أمان لحياة الإنسان, فأحلامه هي أمان لروحه من الفناء بسبب صخرة الواقع التي مهمتها الوحيدة هي مبارزة أحلامنا وكأنها تأخد بثأرها منها بالإنتقام فينا, ربما لأن الواقع أصبح يحب (القبيح) فما أكثر الملابس القبيحة التي تشبه ملابس الشحاذون التي لا تليق بنا ولا تنتمي إلينا ولا تعبر عن شئ إلا عن القبح فقط!!

 ويعشق (العادي) فما أكثر العاديون حولنا, الذين تقتصر مهمتهم في الحياة علي الأكل والشرب والنوم ومشاهدة التلفزيون وقت العصاري وعقلهم متوقف تماماً عن العمل, فهم اعتزلوا حياة الإنسان واختاروا حياة الأنعام, لا يتكلمون ولا يفكرون في شئ, وحينما يتحدثون يكون في سيرة البشر وحينما يتناقشون كل همهم هو الإنتصار لذواتهم فقط لا غير, فكل ما يفعلونه هو القبح بعينه..لأنه بعيد عن العقل!!

ويذوب هياماً في التكرار, فالتكرار بإختصار هو دفن روح الإبداع والتخيل وإيقاف عقلك عن العمل, وإختصار مهامك علي النقل فقط, فعندما تنقل من الأصل تكون  الصورة قبيحة, ومهما حاولت أن تقلد بإحتراف لن تكون يوماً مثل الأصل, فالأصل هو خلاصة إبداع أنهكت فيها أرواح وعقول لن تستوي مع الصورة التي اكتفت فقط بالمشاهدة والنقل وأزالت بعض الأشياء وإضافت أشياء بدون إبداع بل بقليل من التفكير, والنتيجة صورة في منتهي القبح!!

ولهذا أصبح الواقع يبارز الأحلام, فهو قبيح والأحلام مثل قطع السكر التي تحلي أيامنا, ومع كل قطعة سكر تذوب في أرواحنا تعطينا أمل رغم المرارة التي نشعر بها في كياننا!!

ورغم كل هذا لا أبالي, وأوغل في أحلامي كل يوم فأنا أموت بدونها, فأنا امتلك أحلام كبيرة وصغيرة, أحلام أبوح عنها وأحلام هي دفينة قلبي, وأتمني أن أحلامي تصبح في يوم حقيقة, وتحقق كل دقيقة..

-   أحلم بيوم.. يعود الأنس لقلوب البشر, والجدران تهتز من قوة الضحكات التي تملأنا وتفيض علي كل شئ من حولنا فتكسبه فرحة, وكل شئ يشعر بالأنس معنا ونشعر بالأنس معه, فنشعر بالأنس مع البشر ومع البيت والتليفون ومع الكراسي والمنضدة والأطباق والقطة وهم أيضا يشعرون بالدفئ معنا..دفئ الأنس!!

-   أحلم بيوم..أزور عائلتي وأشاركهم كل شئ وهم يشاركوني كل شئ, فأنا لم اختار الوحدة ولكن هي التي اختارتني, أعلم أن الوحدة تميت الروح قبل الجسد وإن في المشاركة حياة, فإذا كان بك أسقام سوف تصبح مع عائلتك كأنها لم تكن, لأن ببساطة الإنسان روحه تحب الضجة..ضجة تطمئنه..ضجة ناس من دمه وهو من دمهم!!

-  أحلم بيوم..أسافر فيه إلي الأرياف, أشعر أن كل شيئاً فيها طازجاً, صباحها ومسائها وضحكاتها وناسها وطعامها..أحلم أن ارتدي الجلابية الفلاحي وأفطر فطير مشلتت وعسل وشاي صعيدي , وأوغل في السير وأتأمل  الطبيعة وألمس بعيناي وشفتاي وعقلي وقلبي وروحي ( القمح) فأنا أحبه  حباً جماً لأنه يشعرني بالحياة!!

-  أحلم بيوم .. أجهز بيتي علي طراز البيوت القديمة,  شبابيك علي هيئة مشربية وأبواب في رحمها (الشراع) وبيانو أعزف عليه كل مساء, في الحقيقة أنا لا أعرف كيف أعزف؟ ولكن لا يهم! ففرحتي ستجعلني أشعر بأني  أعزف لـ( بيتهوفن) ومزهرية أضع بها قليلاً من الماء وكثيراً من الورود كل صباح لكي تبعث روح التفاؤل والأمل في كل ركن من أركان بيتي!!


-   أحلم بيوم. أسوي قهوتي علي ( سبراتيه) فلقد أخبروني أنها رفيقة القهوة وبدونها القهوة تفقد مذاقها, فعطر القهوة تفوح بها السبراتيه!!

-   أحلم بيوم..أسافر حول العالم, ليس فقط للتنزه ولكن للإطلاع علي حضارات وثقافات وعادات ولغات وتقاليد البلاد..ففي مصر مثلاً يبهرني أنني أجد  كل محافظة لها حضارتها وثقافتها وعادتها ولغاتها التي تختلف عن آخراها, أظل أفكر كثيراً كيف نكون في نفس الدولة و نتفق نختلف في أشياء؟! ولهذا سفري حول العالم سوف يكون متعة..متعة البحث والمعرفة!!

- أحلم بيوم..أجلس في جلسة ثقافية, يكون في هذه الجلسة كل أنواع الفنون..هناك من يعزف علي العود, ومن يغني, ومن يمثل, ومن يلقي شعراً, ومن يقرأ بعضاً من كتاباته..في الحقيقة وأنا أكتب الآن شعرت بقشعريرة الفرحة, فما بال لو حضرت بالفعل!! بالتأكيد سوف تراقصني نفس تلك الفرحة!!

-  أحلم بيوم..أحضر حفلة بها تواشيح, فعندما أذهب لشراء الخضار من السوق وأجد البائع معلق الراديو بحبل في جذع الشجرة  وتصدر من السماعات الهرمة هذه التواشيح أشعر في لحظة بأن روحي مثل الورقة التي تطير هنا وهناك ولا تسقط بل تعلو وترتفع أكثر وأكثر, وحينما أتمعن في الكلمات أذوب مثل ذوبان السكر في فنجان الشاي!!


-  أحلم بيوم..أحضر حفل بها استعراضات لفرقة الرضا, فمنذ أن شاهدت فيلم (غرام في الكرنك) وأنا أحلم أن أحضر حفلة يكون فيها وراء كل حركة حكاية  وليس مجرد حركات لا تحكي عن شئ إلا عن بشر أصابهم مزيج من الهطل والخبل والجنون والمس!!
        
-  أحلم بيوم ..بأني امتلك (جراما فون) أطل منه علي سحر الشرق, اسمع أصوات تشدو بقصة وليس بأغنية, تجعلني أتمني أني أحب في كل ثانية وتجعلني أتنهد في كل لحظة متمنية أني أعيش في هذا الزمن الجميل..زمن فيه الصوت والكلمة والمعني هم قضيتهم ورسالتهم في الحياة!!

-  أحلم بيوم..أشاهد فيلماً عربيا يخاطب عقل الإنسان وقلبه وروحه, يتبني قضية ويناقش فكرة ويبدع في تنفيذها, وتكون كل شئ فيها مصرية التفكير..ونكون الأصل وليس مجرد مسخ!!

أحلم بالأصالة والإنتماء, بأن كل شئ من حولي ينتمي إلينا إلي عاداتنا وتقاليد وأصالتنا نحن المصريون, أحلم بأن استنشق التراث في كل خطوة أخطوها في بلدي, أحلم بأني أشعر أني مصرية من أول أفكاري ومبادئي وثيابي إلي الشوارع والعمارات والفن!

سوف أظل أحلم بالجمال..

فالحلم هو الجمال والرقي والخير ..

فالحلم لكي يتحقق يجب هو أيضاً  أن يكون منتمي وله أصالة..
 
وإنتماءه وأصالته تبدأ من وطني وتنتهي عندي..

أن امتلك الأصالة والإنتماء في كل كلمة أكتبها وكل معني أقصده وكل قصة أرويها ..

والقبح ليس بحلم وإنما ((كابوسا))..

والواقع حاليا (( كابوساً))..

سوف يتفق يوماً مع حلمي..

حينما أسير وأشعر بأني داخل لوحة فنية, كل شئ متناسق مع بعضه ومتناغم ومنسجم, كل شئ  له طابع طابعه الخاص لا يخص أحداً غيره بل هو منفرد به ومتميز به..

حينها فقط سوف يحتضن الواقع حلمي..
والقبح يسحق ويصبح رمادا..
ويولد الجمال وينبهر به الناظرين ..

فإذا لم يمتلك الواقع الأصالة والإنتماء..
وأنا لم أحافظ علي نفس الشئ..


هل تعتقدون أن حلمي من الممكن أن يتحقق؟!!




الكاتبة: نيللي علي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نرحب بكلماتكم العطره التى تفوح منها أجمل العبير:)

no copy

no